صورة تعبيرية: عن الصورة النمطية للإسلاميين في السينما
هل بثُّ صورةٍ نمطيةٍ معينةٍ لفئةٍ ما أو اتجاهٍ فكري أو ديني، والحفاظُ على هذه الصورة النمطية كما هي على الشاشات، له دلالةٌ ما؟ وهل يؤثر بثُّ صورة أشخاص/تيار في شكلٍ معين على وعي المتلقي/المشاهد؟ وما مدى تأثير ذلك؟
تُعرف النمطية على أنها تقديم شخصيات أو ثقافة أو تيار فكري/ديني وفق قوالب جاهزة وتصورات مسبقة تُعمِّم صفاتٍ معينة على فئة بأكملها. أبرز الأمثلة على ذلك: تقديم المحامي في صورة المتلاعب بالقانون الذي يتمتع بذكاء ودهاء. كذلك صورة الأحياء الشعبية وساكنيها. كذلك الصورة الدرامية عن الفلاحين والصعيد. والصورة النمطية عن الأقباط وعن الخليجي.
تحتفظ السينما، وكذلك الدراما المصرية، بصورة نمطية عن فئات مختلفة من المجتمع، ومن هذه الفئات التي يتم معالجتها دائمًا بنمطية وتكرارٍ فَجٍّ هي صورة الإسلاميين، حيث تحتفظ بتقديمها في صورة الشخصية المنافقة التي تُبطن عكس ما تُظهر، التي تأمر الناس وتنسى نفسها، كما في فيلم «طيور الظلام». وعادةً ما تكون شخصيةً شهوانيةً بصورةٍ مبالغ فيها، كما في فيلم «الإرهاب والكباب». أو في صورةٍ فجة تمارس العنف بلا رحمة، كما في مسلسل «بطلوع الروح»، أو في صورة الشخصية السطحية التي تتبنى أفكارًا مغلوطة عن الدين (مضحوك عليها)، كما في «القرموطي في أرض النار».
فآفةُ السينما والدراما خاصةً الاعتمادُ على صورٍ نمطيةٍ للشرائح المجتمعية والتيارات الفكرية والشخصيات، وحتى الأمكنة. وهذا التناول النمطي المستهلَك ينمُّ على سطحيةٍ في تناول المواضيع ومعالجة الأفكار. فالصانع هنا يتناول الشخصيات من الخارج، ويتعامل معها بسطحية دون تعمقٍ حقيقي، أو محاولةٍ جادة لفهمها. فلكل شخصيةٍ منطق، والشخصيات السيئة/الشريرة ليست سيئة/شريرة في المطلق، ولكن هناك محركات ومحفزات تدفعها إلى ارتكاب الأفعال التي تفعل.
يرى ستيورات هول، وهو مُفكر وعالم اجتماع شهير، أن التمثيل (Representation) ليس مجرد مرآة تعكس الواقع بدقة، بل هو عملية إنتاجٍ للمعنى وبناءٍ للهوية عبر اللغة والرموز والصور، مما يربط قضايا التمثيل ارتباطًا وثيقًا بديناميكيات القوة في المجتمع.
في كتابه «صورة الإسلاميين على الشاشة»، يعتمد الباحث أحمد سالم، في تحليل الصورة التي تقدمها السينما المصرية عن الإسلاميين، على فيلم «الإرهابي» إخراج نادر جلال، وفيلم «طيور الظلام» للمخرج شريف عرفة.
يستهل الباحث كتابه بتوضيح أثر السينما في الثقافة الشعبية وتشكيل الوعي، ومن ثم يتناول صورة الإسلاميين في السينما العالمية، ثم يتجه إلى السينما المصرية. ويوضح التنميط والفجاجة التي يتم إظهار الإسلاميين بها. ففي فيلم «الإرهابي»، الذي يبدأ بمشهدٍ يُظهر اقتحام (علي عبدالظاهر/عادل إمام) ومجموعةٍ من زملائه الملتحين أحدَ محلات الذهب، وضربَ صاحبتِه، ومن ثم، مع مسار الأحداث، يواصل الفيلم تصوير العمليات التي يقوم بها علي وجماعته من خلال سلسلة مشاهد: الاعتداء المسلح على فوجٍ سياحي، محاولة اغتيال أحد الصحفيين المفكرين المعادين لهم، محاولة اغتيال ضابط شرطة، قتل جندي الحراسة الذي معه، ثم في نهاية الفيلم اغتيال الصحفي، وقتل علي نفسه لخروجه عن الجماعة.
يُدين الباحث، من خلال تحليل أحداث الفيلم، التنميطَ الفجَّ الذي يعتمد عليه الفيلم في إظهار صورة الإسلامي.
كما أننا عند النظر سنلاحظ كيف جعلنا المؤلف لينين الرملي أمام مقارنة بين حياة علي مع الإسلاميين القساة الغاضبين المنافقين الجهلة، وحياته مع الأسرة التي استضافته، مُظهرًا أنها طيبة ومسالمة، ويقومون بأعمال خيرية. بالإضافة إلى ذلك، فهي أسرة وطنية تحب بلدها، وتناقش بموضوعية أفكار المتطرفين، وهي مقارنة ساذجة، حيث يجعلنا المؤلف أمام نقيضين أبيض وأسود، والحقيقة أن الصورتين غير واقعيتين. فالمؤلف لم يبذل مجهودًا في رسم أبعاد أكثر عمقًا للشخصيات، وهذا ضعف ووهن واضح في كتابة السيناريو، ولكن يبدو أنه مقصود لجعل المشاهد أمام مقارنة لا تقبل إلا الميل ناحية الأسرة الطيبة السمحة في مقابل إدانة الفكر الإسلامي.
فبالتأكيد لن يقع أي مشاهد في حب ملتحٍ غليظ الطابع يهدده بنبرة حادة: «لا تقرأ صحف الحكومة الكافرة، ولا تشاهد السينما والتلفزيون؛ فهي بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، لا تصلِّ خلف إمام يدخن السجائر، ولا تسمح لأمّك، أو أختك، بالخروج بغير النقاب، ولا تصافح نصرانيًا، ولا ترد السلام، وإلا جهنم وبئس المصير».
وفي تحليله ونقده لفيلم «طيور الظلام» للمخرج شريف عرفة، يضع يده على الصورة التي ظهر بها الشخص الذي يبدو عليه الالتزام والتمسك الظاهري بالدين؛ وهو (علي الزناتي/رياض الخولي)، فيدين الصناع، من خلال الفيلم، والصورة التي يقدمونها للشخصية الإسلامية/التيار الإسلامي، كونه -حسب رؤية الصناع- يستعمل الدين من أجل تحقيق مصالح شخصية. فهي شخصية انتهازية، منزوعة القيم، منافقة، والمشهد الختامي من الفيلم يوضح ذلك، حيث يظهر فيه علي الزناتي و(فتحي نوفل/عادل إمام) يتصارعان على ركل كرة (رمزية لمصر).
والفيلم يتبع قصة ثلاثة أصدقاء، هم فتحي نوفل، وعلي الزناتي، ومحسن (أحمد راتب)، والثلاثة خريجو كلية الحقوق.
ورغم أن الفيلم يساوي بين الانتهازي الأصولي فتحي نوفل وعلي الزناتي، على أساس أن كل واحد منهما يهمه مصلحته الشخصية، على اختلاف الرداء الخارجي، فواحد سياسي والآخر ديني، إلا أننا داخل أحداث الفيلم نشاهد لشخصية فتحي نوفل مشاهد تُظهر جوانب إنسانية من خلال علاقته الجيدة مع أهله، ومساعدته للفقراء، وكذلك مد يد العون للعاهرة ليفتح لها بوابة صلاح. أما شخصية علي الزناتي، فلم يكن لها مشهد واحد إيجابي!
فيظهر لنا بوضوح لا يمكن إنكاره، من خلال الأمثلة السابقة، وأخرى لم نتناولها، ولكنك إذا راجعتها ستجد الصورة نفسها، بما تحمله من نمطية وسذاجة وضعف، في جميع، إن لم يكن كل، الأفلام والمسلسلات التي تناولت شخصية الإسلامي. (يمكنك مراجعة الأمثلة التي ذكرناها سابقًا في المقدمة)، مما يدفعنا للتساؤل عن الدافع وراء ذلك أولًا، ثم التساؤل حول أثره.
فإذا كانت بلدٌ ما تكرر تقديم صورة نمطية لفئة معينة، فغالبًا لا يكون ذلك مصادفة، ولكن نتاج تفاعل مركب ومعقد بين الثقافة والسلطة والسوق والإرث الاجتماعي، ويمكن تفسير ذلك بكون السينما لا تخلق الصورة النمطية، ولكن ترثها من المجتمع، بالإضافة إلى أن السينما كثيرًا ما تُستخدم كأداة أيديولوجية.
قد يكون الدافع وراء هذه الصورة سياسيًا لتوجيه الرأي العام، ففي عصر مبارك، على سبيل المثال، كان هو نفسه مؤمنًا بهذه الأفكار، وكارهًا لهذه التيارات الإسلامية. فجاءت هذه الصورة لتخدم أهداف وسياسة الرئيس/الدولة.
يصف علاء عبدالفتاح معركة الفن مع الإرهاب على أنها: «لم تُقدم في السينما أبعد من كونها درسًا سياسيًا خاضعًا لسيطرة صانع الصورة المتخفي وراء كل فيلم: الدولة. لم تقبل الدولة بخروج السينما عن خطتها في مواجهة الإرهاب. وهو ما تحاول الدولة فعله بصورة مشابهة مع معركتها مع الإخوان من خلال إنتاجها لأجزاء مسلسل «الاختيار».
وقد تكون الدوافع اقتصادية لتحقيق نجاح مضمون من خلال الاعتماد على الصورة الموجودة مسبقًا عن الإسلاميين. ومداهنة تصور الجمهور عن هذه الفئة تساهم في تماهي المشاهد مع الفيلم ونجاحه. بالإضافة إلى أن تبسيط الحبكة وتقديم شخصيات أحادية البعد يساهم في توسيع شريحة الفيلم.
وقد تكون الدوافع ثقافية؛ لأن صناع العمل أنفسهم يحملون تلك التصورات، وهذا حادث بالفعل، فعند النظر إلى مؤلفي الأفلام المذكورة سابقًا، سنجد واحدًا منهم، وهو (لينين الرملي)، المعروف عنه تبني نفس الأفكار التي قدمها في أفلامه تجاه الإسلاميين (يمكن مشاهدة مناظرته الشهيرة مع حسام البخاري في ساقية الصاوي)، والآخر هو (وحيد حامد)، والمعروف عنه، هو الآخر، تبنيه للأفكار نفسها تجاه الإسلاميين، وأنه يستخدم شخصياته للتعبير عن آرائه. ولقد قام بتقديم شخصية الإسلامي في صورتها النمطية في الكثير من أعماله، أشهرها: الجماعة، وطيور الظلام، والإرهاب والكباب، ودم الغزال، وغيرها من الأعمال الأخرى. كذلك كان عادل إمام ضمن الفنانين الذين كانوا يحاربون، من خلال فنهم، الإرهاب وحركات الإسلاميين. (سافر عادل إمام إلى أسيوط في ١٩٩٨ في رحلة، رسم خلالها صورته كبطل ضد الإرهاب).
لا ينتهي هذا التصور عند الشاشة، ولكن يمتد إلى الواقع، ويساعد في ترسيخ هذه الصورة، والأحكام المسبقة، ويعزز الإيمان بها.
كما أن هذا الأثر قد يمتد ليؤثر على أتباع هذا التيار أنفسهم، ويجعلهم إما أن يؤمنوا بهذه التصورات، أو يكونوا مطالبين بالدفاع عن أنفسهم وإنكارها.
ولكن، وهو الأخطر، قد تؤثر هذه الصورة النمطية، والمعالجة السطحية الساذجة، على السياسة العامة، ويصل الأمر إلى المساهمة في جعل المجتمع أكثر قبولًا للعنف والإقصاء الذي يتعرض له أتباع هذا التيار، وهو ما نراه متحققًا بالفعل.
بالتأكيد، ليس هذا مقالًا للدفاع عن الإسلاميين، وإظهار مدى ما يتعرضون له من ظلم وتشويه، غير مهتم إطلاقًا، ولكن هذا المقال يحاول، من خلال هذا التحليل، الوصول إلى السبب وراء تدشين هذه الصورة النمطية، التي تعتبر خطيئة وسذاجة في حرفة كتابة السيناريو، ولكننا أمام كُتَّاب موهوبين، وقمم عملاقة، لذلك لا بد من وجود أسباب أخرى!
وهي مشكلة كُتَّاب السيناريو، والصناع بشكل عام، عندما ينصاعون وراء قناعتهم الشخصية ووجهات نظرهم أثناء الكتابة، وإرادة تطويع السينما/الفن في صالح المصلحة الشخصية. «وهي نظرة تنمحي فيها المسافات بين السينما والإعلام. كل منهما ملعب لأدوار تتعلق بالتوعية والتوجيه وصناعة "صور" من شأنها تطويق الظاهرة أو محاصرتها اجتماعيًا، وغالبًا سياسيًا. السينما هنا أداة بالمعنى القديم للبروباغندا، حاملة رسائل تبدو لصناعها مشتركة. هدفها توعية جمهور واسع و«غسيل دماغ» أنيق.(1)
بالإضافة إلى ذلك، فهذا التحليل يقودنا إلى نتيجة واضحة؛ وهي أن الفن كان طرفًا في معركة الدولة مع الجماعات الإسلامية والإرهاب، وأن الصناع كانوا أسرى قناعتهم الشخصية، وكل ذلك بعيد أشد البعد عن الفن كما يجب أن يكون، بعيدًا عن التورط مع الدولة، وبعيدًا عن الأهواء الشخصية، وبعيدًا عن أن يكون أداة دعائية مباشرة وفجة.
وينم هذا التناول بشكل واضح عن السطحية، ففي فيلم «الشيخ جاكسون - تأليف وإخراج عمرو سلامة»، وهو قد يكون الفيلم الوحيد الذي تناول شخصية الإسلامي المتدين بشكل مختلف ومتوازن إلى حدٍّ ما، نرى فيه كتابة مختلفة تظهر فيها الشخصية بأبعاد أكثر عمقًا وإنسانية، تجعلنا قادرين، كمشاهدين، على التعاطف معها. شخصية لها مميزات وسلبيات، شخصية لديها صراع، شخصية إنسانية، يمكن التعاطف معها. وهذا نتاج كتابة جيدة أولًا، ونتاج تجربة شخصية لصانع الفيلم جعلته يقترب أكثر من هذا العالم، ليرى بصورة مختلفة، مبتعدًا عن الصورة النمطية والقولبة.